عبد الله بن أحمد النسفي

8

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 9 إلى 11 ] وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) بعد نزوله طرفة عين لأنهم إذا شاهدوا ملكا في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون ، ومعنى ثم بعد ما بين الأمرين ، قضاء الأمر وعدم الإنظار ، جعل عدم الإنظار أشدّ من قضاء الأمر لأنّ مفاجأة الشدة أشدّ من نفس الشدة . 9 - وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا ، لأنهم كانوا تارة يقولون « 1 » لولا أنزل على محمد ملك وتارة يقولون : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ « 2 » و لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً « 3 » لَجَعَلْناهُ رَجُلًا لأرسلناه في صورة رجل كما كان جبريل عليه السّلام ينزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أعم الأحوال في صورة دحية « 4 » لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في صورهم وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ولخلطنا وأشكلنا عليهم من أمره إذ كان سبيله كسبيلك يا محمد ، فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة الإنسان هذا إنسان وليس بملك ، يقال لبست الأمر على القوم وألبسته إذا شبّهته عليهم « 5 » وأشكلته عليهم . ثم سلى نبيه على ما أصابه من استهزاء قومه بقوله : 10 - وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ فأحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزءون به وهو الحق ، حيث أهلكوا من أجل استهزائهم به ، ومنهم متعلق بسخروا ، كقوله : فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ « 6 » والضمير للرسل والدال مكسورة عند أبي عمرو وعاصم لالتقاء الساكنين ، وضمّها غيرهما اتباعا لضم التاء . 11 - قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ والفرق بين فانظروا وبين ثم انظروا أن النظر جعل مسببا عن السير في فانظروا ، فكأنه قيل

--> ( 1 ) في ( ز ) يقولون تارة . ( 2 ) المؤمنون ، 23 / 24 . ( 3 ) فصلت ، 41 / 14 . ( 4 ) دحية : هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي ، صحابي ، بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى قيصر يدعوه للإسلام وكان يضرب به المثل في حسن الصورة لم يعرف تاريخ ولادته وتوفي نحو 45 ه ( الإعلام 2 / 337 ) . ( 5 ) في ( ز ) إذا أشبهته وأشكلته . ( 6 ) التوبة ، 9 / 79 .